الشيخ أحمد فريد المزيدي
190
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وكرهت أن يبدو سوء أدب منّي من جهة الفاقة في حضرتك ، فلما دعوتني سررت ؛ إذ جرى ذلك ابتداء منك ، فمضيت وأنا لا أرضى له الجنان ، فلما جلست على مائدته سوّى لقمة ، وقال لي : كل ، فهذا أحب إليّ من عشرة آلاف درهم ، فلما سمعت هذا منه علمت أنه دنيء الهمة ، فتطرفت أن آكل طعامه . فقال الجنيد للشيخ : ألم أقل لك إنك أسأت أدبك معه . فقال : يا أبا القاسم ، التوبة . فسأله أن يمضي معه ، ويفرحه « 1 » . باب الخشوع سئل الجنيد عن الخشوع ؟ فقال : تذلل القلوب لعلام الغيوب « 2 » . باب التواضع سئل الجنيد عن التواضع ؟ فقال : خفض الجناح للخلق ، ولين الجانب لهم « 3 » . قال إبراهيم بن ثابت الدعاء الزاهد ببغداد : سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول : سمعت سريّا السقطي يقول : صليت وردي ليلة ومددت رجلي في المحراب ، فنوديت : يا سريّ كذا تجالس الملوك . قال : فضممت رجلي وقلت : وعزتك لا مددتها أبدا . قال الجنيد : فبقي بعد ذلك ستين سنة ما مدّ رجله ليلا ولا نهارا « 4 » . وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد يقول : لا يبلغ أحد درجة المتواضعين من أكابر العارفين حتى يرى أن نفسه ليست بأهل أن تنالها رحمة اللّه ، وإنما رحمة اللّه له محض امتنان « 5 » . الرياضة والمجاهدة يقال : إن الجنيد رضي اللّه عنه كان قد جلس مع أصحابه بحكم الرياضة ، فدخل مسافر ، فتكلفوا من أجله ، وأحضروا له طعاما ، فقال : يلزمني غير هذا الشيء الفلاني . فقال له
--> ( 1 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 564 ) ، ونشر المحاسن لليافعي ( ص 229 ) ، وروضة الحبور ( ص 111 ) بتحقيقنا . ( 2 ) انظر : الرسالة القشيرية ( 1 / 339 ) ، وتفسير الثعالبي ( 3 / 64 ) ، ومدارج السالكين ( 1 / 521 ) . ( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 343 ) ، والعوارف ( ص 142 ) ، والتعرف ( ص 115 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 329 ) . ( 4 ) انظر : تاريخ بغداد ( 6 / 46 ) . ( 5 ) انظر : العهود المحمدية ( 207 ) .